ابن عربي

426

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فإذا وصلوا منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور والولدان ، فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء وجمالا ونورا ، من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم ، فيقولون لهم : لقد زدتم نورا وبهاء وجمالا ما تركناكم عليه ، فيقول لهم أهلهم : وكذاكم أنتم قد زدتم من البهاء والجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا ، فينعم بعضهم ببعض ، قال تعالى « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » . فإن قلت : قال تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) وجاء في الحديث [ لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره ] فكان إرسال الحجب بين السبحات وبين الخلق رحمة بهم ، وإشفاقا على وجودهم ، وقد وعد بالرؤية في الدار الآخرة ، فكيف يكون البقاء هناك ، ولا فرق بين الدارين من كونهما مخلوقتين وممكنتين ؟ قلنا : إذا فهمت معنى إضافة السبحات إلى وجهه ، وفرقت بين هذا القول وقوله [ ترون ربكم ] وقوله « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » فعلق الرؤية بالرب ، والإحراق بالوجه ، عرفت حينئذ الفرق بين الخبرين ، ثم عطف فقال في أهل الشقاء . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 24 ] وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) الوجه هنا هو حقيقة المسمى وعينه وذاته ، لأن الوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون ، وإنما الظن لحقيقة الإنسان ، فإنه تعالى قال : [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 25 ] تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) فالوجوه في هذه الآيات عبارة عن النفوس الإنسانية ، لأن وجه الشيء حقيقته وذاته وعينه ، لا الوجوه المقيدة بالأبصار ، فإنها لا تتصف بالظنون ، ومساق الآية يعطي أن الوجوه هنا هي ذوات المذكورين . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 26 إلى 29 ] كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 )